الشيخ محمد رشيد رضا
44
الوحي المحمدي
العقل ، ناشئ في حجر الشريعة اليهودية ، والمدنية الرومانية والحكمة اليونانية ، غلب عليه الزهد والروحانية أن يأتي بتلك الوصايا الأدبية « 1 » . ونحن المسلمين لا نقول هذا ولا ذاك ، وإنما يقولها الماديون الملحدون والعقليون ، وألوف منهم ينسبون إلى المذاهب النصرانية . وأما الوجه الثاني ؛ وهو عقائد الدين وعباداته وآدابه وأحكامه ، فلا يرتاب العقل المستقل الفكر غير المقلد لدين من الأديان أنّ عقائد الإسلام من توحيد اللّه وتنزيهه عن كل نقص ، ووصفه بصفات الكمال ، والاستدلال عليها بالدلائل العقلية والعلمية الكونية ، ومن بيان هداية رسله ، ومن عباداته وآدابه المزكية للنفس المرقية للعقل ، ومن شريعة العدل ، وحكمه الشورى المرقى للاجتماع البشرى . كل ذلك أرقى مما في التوراة والأناجيل وسائر كتب العهد القديم والجديد ، بل هو الإصلاح الذي بلغ به دين اللّه أعلى الكمال ، ويشهد بهذا علماء الإفرنج ، وقد شرحناه من وجهة نظرنا ووجهة نظرهم في مواضع من المنار والتفسير « 2 » ، وسيأتي بيانه . ومن نظر في قصص آدم ونوح وإبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب ويوسف من سفر التكوين ، وسيرة موسى وداود وسليمان وغيرهم من الأنبياء في سائر أسفار العهد القديم ، ثم قرأ هذه القصص في القرآن يرى الفرق العظيم في الاهتداء بسيرة هؤلاء الأنبياء العظام . ففي أسفار العهد القديم يرى وصف اللّه تعالى بما لا يليق به من الجهل والندم على خلق البشر والانتقام منهم ، ووصف الأنبياء أيضا بما لا يليق بهم من المعاصي مما هو قدوة سوأى ، من حيث يجد في قصص القرآن من حكمة اللّه تعالى ورحمته وعدله وفضله وسننه في خلقه ، ومن وصف أنبيائه ورسله بالكمال ، وأحاسن الأعمال ، ما هو قدوة صالحة وأسوة حسنة تريد قارئها إيمانا وهدى ، فأخبار الأنبياء في كتب العهدين تشبه بستانا فيه كثير من الشجر والعشب والشوك ، والثمار والأزهار والحشرات ، وأخبارهم في القرآن تشبه العطر المستخرج من تلك الأزهار ، والعسل المشتار من جنى الثمار ، ويرى فيه رياضا أخرى جمعت جمال الكون كلّه . وندع هنا ذكر ما كتبه علماء الإفرنج الأحرار في نقد هذه الكتب والطعن فيها ، ومن أخصرها وأغربها كتاب ( أضرار تعليم التوراة والإنجيل ) لأحد علماء الإنكليز « 3 » ؛ وما فيها من مخالفة العلم والعقل والتاريخ ، والقرآن خال من مثل ذلك .
--> ( 1 ) على أن منهم من يعزو جلها إلى كونفوشيوس المشرع الصيني وإلى غيره من الحكماء الذين كانوا قبل المسيح عليه السلام . ( 2 ) آخرها ( ص 359 ج 10 تفسير المنار ) وسنفرد له ملحقا من علاوات هذه الطبعة . ( 3 ) هو تشارلس واطس وطبع في مطبعة ( واطس وشركائه في لندن ) وترجم إلى العربية بمطبعة الموسوعات في مصر سنة 1319 ه - 1901 م .